سيد محمد طنطاوي

139

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولم يقف بغى بعض أهل الكتاب وحسدهم عند هذا التمني ، بل تجاوزوه إلى إلقاء الشبهات حول دين الإسلام ، وإلى محاولة صرف بعض المسلمين عن دينهم . قال القرطبي : نزلت هذه الآية - في معاذ بن جبل ، وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر ، حين دعاهم اليهود من بنى النضير وقريظة وبنى قينقاع إلى اليهودية « 1 » . والمراد بالطائفة رؤساء أهل الكتاب وأحبارهم ومن للتبعيض وهي مع مجرورها في محل رفع نعت لطائفة . و * ( لَوْ ) * في قوله * ( لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ) * مصدرية أي ودت طائفة من أهل الكتاب إضلالكم . وقوله * ( وما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وما يَشْعُرُونَ ) * جملة حالية . أي : والحال أنهم ما يضلون أي ما يهلكون إلا أنفسهم بسبب غوايتهم واستيلاء الأهواء على قلوبهم ، وإبثارهم العمى على الهدى ولكنهم لا يشعرون بذلك ولا يفطنون له ، لأنهم قد زين لهم الشيطان سوء عملهم فرأوه حسنا . وأما النداء الثالث الذي اشتملت عليه هذه الآيات فهو قوله : * ( يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّه وأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) * . أي : لما ذا تكفرون بآيات اللَّه - تعالى - التي يتلوها عليكم نبيه محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والحال أنكم تعلمون صدقها وصحتها علما يقينيا كعلم المشاهدة والعيان ، وتعرفون أنه نبي حقا كما تعرفون أبناءكم . والاستفهام في قوله * ( لِمَ تَكْفُرُونَ ) * لتوبيخهم والتعجيب من شأنهم ، وإنكار ما هم عليه من كفر بآيات اللَّه مع علمهم بصدقها . وفي هذا النداء إشارة إلى أن ما أعطوه من علم كان يقتضى منهم أن يسارعوا إلى الإيمان لا أن يكفروا بآيات اللَّه الدالة على صدق نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والتي تتناول القرآن الكريم ، والحجج والمعجزات التي جاءهم بها صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . تم وجه إليهم - سبحانه - نداء رابعا نهاهم فيه عن الخلط بين الحق والباطل وعن كتمان الحق بعد أن نهاهم قبل ذلك عن الكفر بالآيات فقال - تعالى - : * ( يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * . وقوله : * ( تَلْبِسُونَ ) * أي تخلطون من اللبس - بفتح اللام - أي الخلط وفعله لبس من باب ضرب .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 10 .